من يدفع فاتورة الانهيار؟ لبنان أمام إمتحان توزيع الخسائر!

ليبانون ديبايت

تتلاحق التقارير الدولية عن نسب الانكماش في الاقتصاد اللبناني هذا العام، نتيجة الحرب الحالية واستمرار الأزمة المالية. فالبنك الدولي قدّرها بـ6.4 بالمئة، وشركة “ستاندرد آند بورز غلوبال” قدّرتها بـ8.6 بالمئة.

ما يجدر التذكير به أن الحرب لم تكن هي التي خلقت الأزمة، بل جاءت فوق انهيار مالي لم يُعالج أصلاً، وهذا ما يجعل تأثيرها أقسى، من دون أن تبادر الطبقة السياسية إلى اتخاذ خطوات جدية للخروج منها طوال السنوات السابقة. وليس السبب أنها لا تعرف الحلول، بل فقدان القرار السياسي بشأن من سيدفع ثمن الخسائر التي نجمت عن الانهيار المالي وكيف ستُوزّع.

إذاً، خرج لبنان جزئياً من القاع في 2025، بنمو اقتصادي قارب 4.2 بالمئة، لكن الحرب في 2026 أعادت ضرب الاقتصاد، فيما يبقى الخروج الحقيقي من الأزمة مشروطاً بإعادة هيكلة المصارف، ومعالجة الفجوة المالية، والاتفاق مع صندوق النقد، وإعادة هيكلة الدين، مع حسم مسألة توزيع الخسائر.

ما أصل الأزمة؟

المشكلة لم تبدأ فقط عندما انهارت الليرة أو احتُجزت الودائع عام 2019. فالنموذج الاقتصادي اللبناني كان يعتمد بدرجة كبيرة على جذب الدولارات من الخارج، ثم استخدام هذه الأموال في تمويل الدولة ومصرف لبنان والاقتصاد. وعندما أصبحت الدولة ومصرف لبنان غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهما، انعكس ذلك على المصارف، وبالتالي على المودعين. ولذلك، فإن خسائر الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين مرتبطة بعضها ببعض.

ما السيناريوهات المحتملة أمامنا؟ بحسب الخبراء، السيناريو الأول هو الجمود، أي أن نبقى من دون إصلاح فعلي أو اتفاق نهائي مع صندوق النقد، وأن تبقى المصارف مشلولة، وهذا يعني استمرار الأزمة. والثاني هو المعالجة التدريجية، أي استكمال القوانين، والاتفاق مع صندوق النقد، وبدء إعادة هيكلة المصارف، وتوزيع الخسائر تدريجياً. أما السيناريو الثالث، فهو الاختراق الشامل، من خلال توافق سياسي كبير، واتفاق سريع مع الصندوق، وتدفق تمويل دولي وإقليمي، وإطلاق واسع لإعادة الإعمار.

قانصو: أزمة قرار لا أزمة حلول

يذكّر الخبير الاقتصادي الدكتور واجب قانصو بأنه “حين صنّف البنك الدولي الانهيار المالي اللبناني، منذ عام 2021، ضمن أشدّ ثلاث أزمات مالية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن ذلك توصيفاً بلاغياً، بل تشخيصاً كمّياً. فالأزمة التي تفجّرت في تشرين الأول 2019 لم تكن ركوداً دورياً عابراً، بل انهياراً بنيوياً في نموذج اقتصادي بأكمله؛ نموذج قام لعقود على استقطاب الودائع بالعملة الصعبة وتدويرها في تمويل الدَّين السيادي والإنفاق العام، بدلاً من توجيهها نحو الاقتصاد المنتج”.

ويوضح لـ”ليبانون ديبايت” أنه “اليوم، وبعد أكثر من ست سنوات على بدء الانهيار، يقف الاقتصاد اللبناني عند مفترق حرج: فمن جهة، سجّل مؤشرات تعافٍ تقني لافتة في عام 2025، ومن جهة أخرى، جاءت التطورات الأمنية والعسكرية لعام 2026 لتعصف بهذا التعافي الهشّ وتعيد الاقتصاد إلى الانكماش. وبالتالي، فإن فهم هذه المفارقة، بين تعافٍ لم يكتمل وانتكاسة جديدة، هو مفتاح أي قراءة جادّة لمسارات الخروج”.

ويشرّح قانصو الأزمة المالية بالقول: “من الخطأ المنهجي اختزال الأزمة اللبنانية في انهيار سعر الصرف أو في تجميد الودائع، فهذه أعراض لا أسباب. البنية العميقة للأزمة تقوم على ثلاث حلقات متشابكة يعزّز بعضها بعضاً. الحلقة الأولى هي الترابط بين خسائر المصارف والدَّين السيادي، إذ تراكمت في النظام المالي فجوة ضخمة نتجت عن توظيف المصارف أموال المودعين لدى مصرف لبنان والدولة، ثم عجز الطرفين عن السداد. هكذا، أصبحت خسائر القطاع المصرفي وخسائر الدولة وجهين لعملة واحدة، بحيث لا يمكن معالجة إحداهما بمعزل عن الأخرى، وهذا بالضبط ما يجعل الحلّ معقّداً سياسياً بقدر ما هو معقّد تقنياً”.

ويضيف: “الحلقة الثانية هي تبخّر الثقة وتحوّل الاقتصاد إلى النقد، إذ أدّى انهيار الثقة بالجهاز المصرفي إلى تجميد الودائع وتحوّل جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى التعامل النقدي المباشر خارج القنوات المصرفية. والاقتصاد النقدي، وإن بدا آلية تكيّف مؤقتة، يضعف قدرة الدولة على التحصيل الضريبي، ويقلّص الشفافية، ويحرم القطاع الخاص من الائتمان اللازم للنمو. أما الحلقة الثالثة، فهي تآكل القيمة والقدرة الشرائية، إذ خسرت الليرة اللبنانية أكثر من 95% من قيمتها مقابل الدولار منذ 2019، وتشير بعض التقديرات إلى ما يقارب 98%، ما نقل جزءاً كبيراً من عبء الأزمة إلى الأجور الحقيقية والمداخيل الثابتة. وحتى حين تراجع التضخّم، لم يُترجم ذلك تحسّناً ملموساً في القدرة الشرائية، لأن الأسعار ظلّت مرتفعة والأجور الحقيقية منخفضة”.

وخلاصة التشريح أن الأزمة اللبنانية “أزمة توزيع خسائر” بالدرجة الأولى: فالخسائر متحقّقة وضخمة، والسؤال المؤجَّل منذ ست سنوات ليس “هل توجد خسارة؟”، بل “من يتحمّلها؟”، الدولة أم المصرف المركزي أم المصارف أم المودعون، وبأي ترتيب وبأي نسب؟

قراءة في إشارة التصنيف الائتماني: الدَّينان المتباعدان

يرى قانصو أن “قراءة متأنّية لتصنيف ستاندرد آند بورز تكشف مفارقة بنيوية جوهرية في تركيبة الدَّين اللبناني، مفادها أن لبنان يعيش عملياً مسارَي دَين متباعدَين يتحرّكان في اتجاهين متعاكسين. ففي تصنيفها الأحدث الصادر في 14 آب 2026، أبقت الوكالة تصنيف العملة المحلية طويل الأجل عند “+CCC”، فيما ظلّ تصنيف العملة الأجنبية، أي سندات اليوروبوند، عند “SD”، وهو رمز التعثّر الانتقائي (Selective Default)”.

ويشدد على أن “هذا التباعد ليس تفصيلاً فنياً، بل يلخّص منطق الأزمة بأكمله. فالدَّين بالعملة المحلية تقلّص إلى نحو 2 بالمئة فقط من الناتج المحلّي بنهاية 2024، أي أقل من مليار دولار، هبوطاً من نحو 100 بالمئة قبل عام 2020. لكن هذا “التحسّن” لم يأتِ من سداد حقيقي، بل هو، في جوهره، نتاج حسابي للتضخّم وانهيار سعر الصرف اللذين محوا القيمة الحقيقية للدَّين بالليرة. بعبارة أدقّ، إن الدولة لم تسدّد دَينها الداخلي بقدر ما أذابته العملة المنهارة. وهذا ما يفسّر أيضاً تراجع صافي الدَّين الحكومي الإجمالي إلى نحو 113% من الناتج بنهاية 2025، نزولاً من نحو 240% في 2022: جزء وازن من هذا الانخفاض هندسة نقدية لا إنجاز مالي”.

ويذكّر قانصو بأنه “في المقابل، يبقى الدَّين بالعملة الأجنبية عالقاً عند التعثّر منذ إعلان لبنان التوقّف عن سداد اليوروبوند في آذار 2020، ولن يخرج من هذا التصنيف إلا عبر إعادة هيكلة شاملة ومُفاوَضة مع الدائنين. وهكذا، فإن رفع التصنيف السيادي بالكامل، وليس شقّه المحلي فقط، يمرّ حكماً بإعادة هيكلة اليوروبوند، التي تمرّ بدورها ببرنامج صندوق النقد. إنها سلسلة من الاشتراطات المتتابعة، لا يمكن كسر أي حلقة منها بمعزل عن سابقتها”.

ويلفت إلى أن “ثمّة قيداً بنيوياً إضافياً كشفته الوكالة يستحقّ التوقّف عنده، إذ ترى أن احتياطي الذهب لدى مصرف لبنان غير متاح فعلياً لعمليات القطع أو لسداد الدَّين الخارجي، لأن القوانين اللبنانية تحظر بيعه ما لم يُقرّ البرلمان تشريعاً جديداً يجيز ذلك. وهذه نقطة بالغة الدلالة: فأحد أهمّ الأصول السيادية التي قد تُطمئن الدائنين وتعزّز القدرة التفاوضية مُجمَّد قانونياً، ما يضيّق هامش المناورة أمام الدولة في أي عملية إعادة هيكلة”.

التعافي التقني لعام 2025: إنجاز حقيقي بحدود واضحة

ويشير إلى أن “العام 2025 شهد ما يمكن وصفه بـ”التعافي التقني”. فوفق مرصد البنك الدولي للاقتصاد اللبناني، نما الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي بنحو 4.2 بالمئة في 2025، وهو أسرع نمو يُسجَّل منذ بدء الانهيار المالي عام 2019. واستند هذا النمو إلى محرّكات محدّدة: انتعاش الاستهلاك الخاص مدعوماً بتحويلات المغتربين وبدَولَرة الأجور، وعودة نسبية للسياحة، ونشاط متجدّد في العقارات والبناء”.

ويتابع: “على المستوى المالي، حقّقت الدولة فائضاً أولياً وإجمالياً على أساس نقدي، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة تقارب 49%، متجاوزة نمو الإنفاق البالغ نحو 27%، ما أفضى إلى فائض عام بلغ نحو 3.9% من الناتج المحلّي في 2025. كذلك، تراجع التضخّم إلى نحو 14.6% خلال العام، وتحسّنت بعض مؤشرات الأمن الغذائي، إذ انخفض انعدام الأمن الغذائي من ذروة بلغت 24% أواخر 2024 إلى نحو 13% مطلع 2026”.

ويؤكد أن “الموضوعية العلمية تفرض قراءة هذه الأرقام في سياقها الصحيح. فالنمو المسجَّل هو، في جوهره، ارتداد من قاع سحيق أكثر منه تعافياً هيكلياً، إذ يكفي التذكير بأن الناتج المحلّي كان قد تقلّص تراكمياً بنحو 40% منذ 2019. بعبارة أدقّ، إن اقتصاداً فقد نحو خُمسَي حجمه ثم نما بنسبة من خانة واحدة إنما يستعيد جزءاً يسيراً مما خسره، لا أنه بلغ برّ الأمان. وقد ظلّ القطاع المصرفي، العصب الأساسي لأي اقتصاد حديث، معطّلاً عن وظيفته الجوهرية في استقبال الودائع وتمويل الأسر والشركات”.

الانتكاسة: حين يلتقي الشقّ العسكري بالأزمة المالية

ويضيف: “جاء التصعيد العسكري في آذار 2026 ليقطع مسار الارتداد بحدّة. فبحسب التوقّعات الصادرة عن البنك الدولي في آب 2026، يُرجَّح أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في عام 2026، منهياً بذلك زخم عام 2025 بالكامل، مع توقّع ارتفاع التضخّم إلى نحو 17.5%. ويعود هذا الانكماش إلى انهيار قطاع السياحة، وتراجع الاستهلاك، واضطراب سلاسل التوريد، والنزوح المطوَّل. وتشير التقديرات إلى أن نحو 360 ألف شخص ظلّوا نازحين، فيما تجاوز عدد النازحين في ذروة النزاع 1.2 مليون شخص. وقد قدّر البنك الدولي أن النزاع سيخفض النمو بنحو 10.4 نقطة مئوية قياساً بسيناريو عدم وقوع النزاع”.

ويعتبر أن “المسألة المنهجية الأهمّ هنا هي أن انكماش 2026 ليس أزمة جديدة مستقلّة، بل صدمة عسكرية تُضاف إلى أزمة مالية لم تُحلّ أصلاً، فيغذّي كل منهما الآخر: فالحرب تدمّر الطاقات الإنتاجية، وتُنفّر السياحة والاستثمار، وترفع الكلفة اللوجستية والتضخّم. والأزمة المصرفية، في المقابل، تُضعف القدرة على تمويل ما تخرّبه الحرب. أما العجز السيادي، فيحدّ من قدرة الدولة على الاقتراض، فيما تمنع القيود على الودائع تعبئة جزء من المدّخرات الخاصة. هذا التفاعل المزدوج هو ما يجعل كلفة النزاع الاقتصادية على لبنان أفدح بكثير مما كانت لتكون لو أصاب اقتصاداً سليم البنية”.

والسؤال الذي يُطرح هنا: ما سبل الخروج من الأزمة؟

يجيب قانصو: “إذا كان تشريح الأزمة يكشف حلقات متشابكة، فإن الخروج منها يتطلّب معالجة متكاملة لا حلولاً جزئية. وتنتظم شروط التعافي، كما تُستشفّ من الإطار الإصلاحي القائم والمعطيات الدولية، في أربعة أعمدة مترابطة:

العمود الأول: إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر

هذا هو حجر الزاوية. وقد شكّل إقرار البرلمان اللبناني قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، وتعديلاته اللاحقة في آب 2026، خطوة تشريعية محورية، رحّب بها صندوق النقد الدولي بوصفها “خطوة جيدة جداً تعكس التزام لبنان بمواءمة تشريعاته مع أفضل الممارسات الدولية”. ويعيد القانون تنظيم الهيئة المصرفية العليا التي ستقرّر أي المصارف يُعاد هيكلته وأيها يُصفّى.

غير أن الأهمّ يبقى قيد الإنجاز، فقانون إصلاح المصارف، على محوريّته، لا يسدّد الخسائر المتراكمة بحدّ ذاته، بل يوفّر الإطار المؤسسي لمعالجتها. ويظلّ استكماله متوقّفاً على ما يُعرف بـ”قانون الفجوة المالية”، الذي يحدّد آليات توزيع الخسائر بين الأطراف، ويُعدّ حجر الأساس في أي خطة إنقاذ. ولا يمكن فصل معالجة الأزمة المصرفية عن إصلاح المالية العامة، نظراً إلى الترابط الوثيق بين خسائر المصارف والتعرّض للدَّين السيادي.

العمود الثاني: الاتفاق مع صندوق النقد الدولي كبوّابة للثقة

يشكّل الاتفاق مع صندوق النقد المدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة الدولية بلبنان، لا لأن تمويل الصندوق كافٍ بذاته، بل لأنه يوفّر إطاراً إصلاحياً متكاملاً يفتح الباب أمام التدفّقات المالية الخارجية والاستثمارات، ويعيد دمج لبنان في النظام المالي العالمي، ولكن شرط الاستفادة منه بما يتناسب مع الواقع اللبناني. فالدائنون، وأبرزهم حَمَلة سندات اليوروبوند التي تشكّل الجزء الأكبر من الدَّين الخارجي، يُرجَّح ألّا يوافقوا على إعادة هيكلة الدَّين من دون برنامج فاعل مع الصندوق يمنح المسار مصداقيته. وقد أبقى الصندوق قنوات التواصل مفتوحة مع السلطات اللبنانية، مع اعتزامه استئناف اجتماعاته الفنية في بيروت لتقييم مزيد من الخطوات الإصلاحية.

ويمكن تلمّس منطق هذا العمود بوضوح أكبر عند ربطه بإشارة التصنيف الائتماني التي أوردناها سابقاً. فبقاء اليوروبوند عند تصنيف “SD” منذ 2020 يعني، بلغة الأسواق، أن لبنان لا يزال خارج دائرة الدائنين الدوليين تماماً. والخروج من هذا التصنيف لن يتحقّق بمرور الوقت أو بتحسّن المؤشرات الكلية، بل حصراً عبر اتفاق إعادة هيكلة مُفاوَض يقبله حَمَلة السندات. وهنا تتّضح المعادلة التسلسلية: برنامج الصندوق يمنح المصداقية، ما يتيح التفاوض على إعادة الهيكلة، وبالتالي رفع التصنيف وفتح باب التمويل الميسّر. وأي حلقة مفقودة تُعطّل السلسلة بأكملها.

وتُضيف مواقف الوكالة بُعداً تحليلياً دقيقاً، فهي تربط أي رفع مستقبلي للتصنيف بإحراز تقدّم إضافي في الإصلاحات، يفضي إلى نتائج مالية أفضل ونمو اقتصادي وتمويل خارجي ميسّر. لكنها تُحذّر، في الوقت نفسه، من أن التصنيف بالعملة المحلية ذاته مُعرَّض للخفض إذا ارتفعت احتمالات إدراج الدَّين بالليرة ضمن عملية إعادة الهيكلة. وهذه ثنائية تلخّص هشاشة الوضع: فالمسار قابل للصعود والهبوط معاً، تبعاً لما إذا كانت معالجة الفجوة المالية ستُنجَز بترتيب يحمي الدَّين الداخلي أم يُقحمه في التسوية. إن الاستقرار الظاهري في التصنيف الحالي ليس استقراراً راسخاً، بل توازن دقيق بين زخم الإصلاح ومخاطر الأمن وضعف النمو وضيق المالية العامة واحتياجات الإعمار الضخمة، وهي العوامل التي عدّدتها الوكالة صراحة في تبرير نظرتها المستقبلية.

كذلك، تكشف تقديرات الوكالة لعجز الحساب الجاري بُعداً هيكلياً آخر. فرغم توقّعها تراجعه إلى نحو 17% من الناتج في المتوسط للفترة 2026-2029، نزولاً من نحو 22% في 2023-2025، فإن هذا المستوى يظلّ مرتفعاً بالمعايير الدولية، ولا يُموَّل عبر تدفّقات استثمارية مستدامة، بل عبر تحويلات المغتربين ومدّخرات المقيمين بالعملة الأجنبية. وهذا يعني أن التوازن الخارجي للبنان قائم على مصدر ريعي هشّ، لا على قاعدة إنتاجية أو تصديرية صلبة، وهو ما يجعل استعادة الثقة المصرفية وتدفّق رأس المال المنتِج شرطاً وجودياً لا رفاهية.

العمود الثالث: تمويل إعادة الإعمار

قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار، إثر نزاع 2023-2024، بنحو 11 مليار دولار، ضمن كلفة اقتصادية إجمالية للنزاع بلغت نحو 14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات أضراراً مادية و7.2 مليارات خسائر اقتصادية. ومن أصل الـ11 ملياراً، يُتوقَّع أن يتطلّب 3 إلى 5 مليارات تمويلاً عاماً، فيما يحتاج 6 إلى 8 مليارات إلى تمويل خاص، لا سيما في الإسكان والتجارة والصناعة والسياحة. وقد أطلق البنك الدولي “مشروع المساعدة الطارئة للبنان” (LEAP)، كإطار قابل للتوسّع بقيمة مليار دولار، بمساهمة أولية قدرها 250 مليون دولار. غير أن التصعيد اللاحق لعام 2026 يعني أن فاتورة الإعمار الفعلية ستكون أعلى بكثير، إذ قدّر وزير المالية أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة منذ 2023 قد تبلغ نحو 20 مليار دولار.

النقطة الجوهرية هي أن جزءاً وازناً من هذا التمويل مشروط بالإصلاح، فالحِزَم الإقليمية والدولية للإعمار مرتبطة باستكمال المسار الإصلاحي المالي والمصرفي، ما يجعل العمودين الأول والثاني شرطاً مسبقاً لتفعيل العمود الثالث.

العمود الرابع: الإصلاحات القطاعية والحوكمة

لا يكتمل التعافي بالإصلاح المالي وحده. فقد أحرز لبنان تقدّماً في إنشاء هيئات ناظمة لقطاعَي الكهرباء والاتصالات، وفي إعادة بناء القدرات الإحصائية على المستوى المالي، وتعزيز الرقمنة في الامتثال الضريبي. وتبقى هذه الإصلاحات القطاعية، إلى جانب تعزيز استقلالية القضاء وشفافية المصرف المركزي، شرطاً لاستدامة أي تعافٍ وتحويله من ارتداد ظرفي إلى نمو هيكلي شامل.

سؤال آخر: هل ستسلك السلطة السياسية الخطوات اللازمة للخروج من الأزمة؟

يجيب قانصو: “من منظور تحليلي، تنتظم آفاق الاقتصاد اللبناني في ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

1- سيناريو الجمود: يستمرّ فيه إقرار التشريعات من دون تنفيذ فعّال لتوزيع الخسائر، ويبقى الاتفاق مع صندوق النقد معلّقاً. وفي هذه الحالة، يظلّ القطاع المصرفي مشلولاً، وتتعثّر تعبئة تمويل الإعمار، ويتحوّل التعافي المحتمل إلى سلسلة من الارتدادات الهشّة المعرّضة لأي صدمة خارجية.

2- سيناريو المعالجة التدريجية: تُقرّ فيه القوانين التكميلية، وفي مقدّمتها قانون الفجوة المالية، ويُبرم اتفاق مع الصندوق يفتح الباب أمام تمويل مشروط، فتُعالَج الودائع عبر آليات متدرّجة قد تشمل اقتطاعات متفاوتة بحسب الشرائح، ويُغلَق تدريجياً جزء من فجوة التمويل خلال أفق يمتد لسنوات. وهذا هو السيناريو الأكثر واقعية.

3- سيناريو الاختراق الشامل: يتطلّب توافقاً سياسياً واسعاً يُطلق البرنامج مع الصندوق ويحرّر الحِزَم الإقليمية والدولية للإعمار دفعة واحدة. وهو السيناريو الأقلّ احتمالاً، لارتباطه بمتغيّرات سياسية وأمنية تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة. والقاسم المشترك بين السيناريوهات جميعاً هو أن الاقتصاد وحده لا يحسم المسار، فالمتغيّر الأمني والسياسي يظلّ العامل الأكثر تأثيراً في تحديد أي الطرق سيسلكها لبنان”.

ويؤكد أن “التحليل المعمّق يكشف أن الأزمة اللبنانية ليست عصيّة على الحلّ من الناحية التقنية، فالمعالجات معروفة، والإطار الإصلاحي بدأ يتبلور تشريعياً، والمؤسسات الدولية مستعدّة للانخراط شرط توافر المصداقية. الأزمة، في جوهرها، أزمة قرار في توزيع الخسائر أكثر منها أزمة معرفة بالحلول. لقد أثبت عام 2025 أن الاقتصاد اللبناني يملك قدرة على الارتداد حين تتوافر ولو مساحة ضيّقة من الاستقرار، وأثبت عام 2026 أن هذا الارتداد يبقى رهينة البيئة الأمنية ما لم يُسنَد بإصلاح بنيوي راسخ. إن كلفة التأجيل ليست ثابتة، بل تتراكم مع كل عام، فكل سنة تمرّ من دون معالجة جدّية للفجوة المالية تعني خسائر إضافية في الثقة والقيمة ورأس المال البشري المهاجر”.

ويختم: “الخروج من الأزمة ممكن، لكنه مشروط بتزامن ثلاثة عناصر: إرادة سياسية تحسم توزيع الخسائر، وإطار إصلاحي يمنح المسار مصداقيته الدولية، واستقرار أمني يتيح للاقتصاد أن يلتقط أنفاسه. وغياب أي من هذه العناصر الثلاثة يكفي وحده لإبقاء لبنان في دائرة التعافي المُجهَض”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى