عقدتان تعرقلان الاتفاق مع صندوق النقد… ولبنان يهدر الوقت!

ليبانون ديبايت”-باسمة عطوي
بدأ وفد صندوق النقد الدولي زيارته الإستطلاعية إلى لبنان مطلع هذا الاسبوع، وسيجري مفاوضات حول القوانين والاصلاحات التي لا تزال مطلوبة لتوقيع إتفاق مع صندوق النقد، علما أن العقد الأساسية التي تحول دون التوصل لإتفاق ما زالت موجودة، ومن المتوقع أن يعرض الوفد هذه العقد في نهاية زيارته على جري العادة.
ما يمكن الجزم به صندوق النقد الدولي لا يريد قطع العلاقة مع لبنان، بل ما زال مستعداً للتعاون معه فنياً. لكن هناك عقدتان أساسيتان أولها الـ16.5 مليار دولار وهي أموال والتزامات متبادلة داخل الدولة ومصرف لبنان. والصندوق يريد معالجة الخسائر والالتزامات بطريقة يعتبرها أكثر واقعية، بينما الدولة اللبنانية لديها تحفظات على الطريقة التي ستُسجل بها هذه الالتزامات. أما العقدة الثانية فهي من يتحمل الخسائر؟ وهذه أهم نقطة، وطالما لم يُحسم توزيع الخسائر، يصعب الوصول إلى برنامج كامل مع صندوق النقد.
ولذلك سنرى اجتماعات ومفاوضات وقوانين وتواصل مع المؤسسات الدولية، لكن لا توجد بعد قرارات كبرى تحسم الملفات الأساسية. من المرجح أن لا يشهد لبنان لا يتوقع انهياراً لبنانياً جديداً وفورياً، لكننا أيضا لن نقترب من حل نهائي، بل استمرار حالة المراوحة و تضضيع الوقت.
الفحيلي : حركة من دون بركة!
يشدد الخبير المالي الدكتور محمد الفحيلي ل “ليبانون ديبايت” ،على أن “صندوق النقد الدولي يعرف لبنان جيدًا، ولا يحاول سوى تقديم المساعدة الحقيقية والتقنية؛ لن تكون هناك قطيعة، لكن في المقابل لن يكون هناك إختراق. بعثة الصندوق تكرر الملاحظتين العالقتين نفسيهما: مطالبة الدولة اللبنانية بالاعتراف بمطلوبات مصرف لبنان البالغة 16.5 مليار دولار، والتي ترفض وزارة المال تسجيلها، إضافة إلى الخلاف حول أولوية توزيع الخسائر. فالدولة تريد حماية جميع المودعين أو معظمهم، بينما يرى الصندوق أن ذلك غير واقعي من الناحية المالية”.
يضيف:”طالما أن هذين الملفين لا يزالان عالقين، فلن يكون هناك «اتفاق» بالمعنى البرنامجي، وفي أفضل الأحوال سيبقى الانخراط مع الصندوق في إطار تقني واستشاري، بانتظار الاجتماعات السنوية”، لافتا إلى أن “مجموعة العمل المالي «FATF»، مصرة على إعادة ترتيب البيت اللبناني. فالتمديد الأخير، في حزيران 2026، ثبّت بقاء لبنان على اللائحة الرمادية، مع تأجيل أي إعادة نظر حتى تشرين الأول 2026، وتكرار البنود العشرة تقريبًا التي كانت مطلوبة منذ البداية”.
يرى الفحيلي أن “هذا مؤشر واضح على أن التقدم التشريعي، من قانون إصلاح المصارف إلى التعميم 174 وتعاميم الصرافة، لا يزال «غير كافٍ»، لأن المعيار الحقيقي أصبح التنفيذ أي المُلاحقات، والمُصادرات، وتعزيز استقلالية القضاء، وليس مجرد إقرار النصوص القانونية”، متوقعا أن ” يبقى المشهد في تشرين الأول على حاله، مع استمرار لبنان على اللائحة الرمادية، وربما لهجة أكثر وضوحًا بشأن اقتراب المهلة النهائية، التي تمتد إلى نهاية 2026 أو 2027، قبل أن يصبح خطر الانتقال إلى التصنيف الأسود أكثر جدية”.
ويعتبر أن “رسالة الخزانة الأميركية واضحة، إذا أردنا الحفاظ على حركة الدولار، فعلينا الالتزام بقواعدها. فقلقها من استخدام الدولار في لبنان ليس نقديًا فحسب، بل يأتي امتدادًا للهواجس نفسها المتعلقة بتمويل الإرهاب والتحايل على العقوبات، والتي تحرك أيضًا مجموعة العمل المالي «FATF»، لافتا إلى أنه “في الأشهر المقبلة، يرجح استمرار النمط نفسه: تصعيد ميداني متقطع في الجنوب ، يقابله تفاوض بطيء، من دون حسم في أي من الاتجاهين. أما المجتمع الدولي، فهو «يساعد» لبنان، ولكن مساعدته مشروطة. فالدعم موجود، لكنه مرتبط بتقديم براهين ملموسة على التنفيذ في الملفات الثلاثة الأساسية: المصرفي، والقضائي، والرقابي”.
يجزم الفحيلي أن “أي مساعدة دولية ليست مسارًا موازيًا للإصلاح، بل هي مرهونة به. وهذا يعيدنا إلى منطق «سلسلة فتح الأبواب» أو Unlock Chain التي عملنا عليها، كل حلقة مرتبطة بالحلقة التي تسبقها، وطالما أن قانون الفجوة المالية وتصنيف الودائع بين «Legacy» و«Fresh» لم يُحسما بوضوح، فلا توجد «فتحة» حقيقية يمكن أن تنعكس على تصنيف لبنان لدى مجموعة العمل المالي، أو على قرار صندوق النقد الدولي، أو حتى على قراءة الخزانة الأميركية لمدى جدية لبنان في الإصلاح، أما المواطن، فيبقى الحلقة التي يتحدث عنها الجميع، لكن لا أحد يتفاوض معها مباشرة؛ وهو نفسه «المودع الغائب» عن أروقة التشريع”.
ويشير إلى أن “المشهد اللبناني لا يتجه، في هذه المرحلة، نحو إنهيار جديد، لكنه في الوقت نفسه لا يشهد إختراقًا حقيقيًا. الصورة الأقرب هي إستمرار «الحركة من دون بركة» على مختلف الجبهات بالتوازي: تقدم تشريعي شكلي، وضغط دولي متصاعد اللهجة من دون قطيعة، وتصعيد أمني متقطع من دون حسم، ومهل جديدة، من تشرين الأول بالنسبة إلى «FATF» وصولًا إلى الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي، تتحول تلقائيًا إلى محطات ترقب أكثر منها محطات حسم”.
ويختم:”الخطر الحقيقي، لا يكمن بالضرورة في حدث مفاجئ، بل في تراكم الوقت الضائع إلى أن تنتهي المهل الفعلية، ولا سيما المهلة المرتبطة بـ«FATF»، من دون نتائج ملموسة.عندها، يصبح الانزلاق نحو اللائحة السوداء أو الوصول إلى تجميد فعلي لأي دعم دولي احتمالًا حقيقيًا، وليس مجرد احتمال نظري”.



