فرنسا ممتعضة من “عدم الوفاء السياسي” فهل تُطوى صفحة ماكرون في لبنان؟

كتبت رنده تقي الدين في” النهار”: يغادر السفير الفرنسي في لبنان هيرفيه ماغرو بيروت في الأيام الأولى من آب، بعد ثلاث سنوات من مهمة دبلوماسية اتسمت بالنشاط والمثابرة في واحدة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخ لبنان الحديث. وسيخلفه في نهاية الشهر المقبل السفير باتريك دوريل الذي تعرفه القيادات اللبنانية منذ سنوات، إذ إنه عمل مستشاراً في السفارة الفرنسية في المملكة العربية السعودية قبل انتقاله إلى قصر الإليزيه مستشاراً للرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم سفيراً لفرنسا في العراق، وهو من أبرز المستشرقين الفرنسيين.

إن انتهاء مهمة ماغرو لا تطوي صفحة دبلوماسية فحسب، بل تأتي في وقت تعيد فيه باريس النظر في حجم انخراطها في الملف اللبناني، بعدما كرّس الرئيس الفرنسي جانباً كبيراً من جهوده السياسية والدبلوماسية لمحاولة إنقاذ لبنان، من دون أن يلمس، في المقابل، تقديراً سياسياً يتناسب مع هذا الالتزام.

وقد تجلى ذلك بوضوح في الاتفاق الإطاري اللبناني – الإسرائيلي، حيث أُبعدت فرنسا عن المفاوضات بحجة أن الولايات المتحدة وحدها تمتلك التأثير على إسرائيل. صحيح أن الرئيس اللبناني جوزاف عون اعتبر أن الرفض الإسرائيلي حال دون إشراك باريس، إلا أن هذا التبرير لا يبدو كافياً. فكان يمكن السعي إلى إيجاد صيغة تتيح حضوراً فرنسياً، ولو غير مباشر، تقديراً للدور الذي اضطلعت به فرنسا طوال السنوات الماضية، خصوصاً أن الوسيط الأميركي كان ولا يزال منحازاً بالكامل إلى الموقف الإسرائيلي.

ويزداد هذا الانطباع رسوخاً في ظل ما يجري جنوباً، إذ إن ما يسمى “المناطق التجريبية” لا يشكل في الواقع دليلاً على نية إسرائيلية بالانسحاب، لأنها ليست مواضع احتلال ثابتة، بل نقاط تدخلها القوات الإسرائيلية وتغادرها. والمفارقة أن فكرة هذه المواقع طرحها أساساً عام 2024 وزير الدفاع الفرنسي آنذاك، ورئيس الوزراء الفرنسي الحالي سيباستيان لوكورنو، قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء من التفاهمات الأمنية.

كان لفرنسا دور محوري في إنهاء الفراغ الرئاسي اللبناني. فقد كلّف ماكرون مبعوثه الخاص جان-إيف لودريان العمل مع اللجنة الخماسية، بالتنسيق وثيق مع المملكة العربية السعودية، للتوصل إلى انتخاب الرئيس جوزاف عون، ثم رحب بتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة.

مع اتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنهاء مهمة “اليونيفيل”، تبدو باريس أكثر حذراً إزاء أي مشاركة عسكرية جديدة في الجنوب، ما لم تكن مهمتها واضحة ومستقلة، لا خاضعة بالكامل للقرارين الأميركي والإسرائيلي.

ربما يرى الرئيس اللبناني أن الرفض الإسرائيلي حال دون إشراك فرنسا في المفاوضات، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن باريس، بعد كل ما بذله ماكرون من جهود استثنائية لإنقاذ لبنان، كانت تستحق محاولة لبنانية جدية لإيجاد مكان لها على طاولة المفاوضات، ولو بصيغة غير مباشرة. فمن الصعب تجاهل دولة كرّست ست سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي والإنساني والعسكري دعماً للبنان، ثم تُستبعد عن أهم مسار تفاوضي يتعلق بمستقبله.

من هنا، فإن الامتعاض الفرنسي يبدو مفهوماً، ليس لأن فرنسا لم تشارك في المفاوضات فحسب، بل لأن قيادات لبنانية اعتبرتها باريس صديقة لم تُبدِ، في نظر كثيرين، الوفاء السياسي الذي يوازي حجم الالتزام الفرنسي حيال لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى