موازنة 2027: توازنٌ على الورق واقتصادٌ يتوق إلى الاستقرار

كتب البروفيسور مارون خاطر في” النهار”: لا يمكن تقييم مشروع موازنة 2027 بمعزل عن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي ولد فيها. يدخل لبنان سنة مالية جديدة فيما تستمر المراوحة السياسية وتتأخر الإصلاحات الأساسية، ويبقى الاستقرار الأمني هشاً وتتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب.

في الاقتصاديات الصغيرة والمفتوحة كاقتصاد لبنان، لا تبقى هذه التطورات خارج الموازنة، بل تنعكس مباشرة على الاستثمار والسياحة والاستهلاك والتدفقات المالية، وبالتالي على قدرة الدولة حتى على تحقيق الإيرادات الضريبية التي تفترضها قابلة للتحقيق.

يُقدَّر مشروع 2027 النفقات والإيرادات معاً بنحو 614.95 تريليون ليرة، أي نحو 6.87 مليارات دولار، مقارنة بنحو 538.42 تريليون ليرة، أو 6.02 مليارات دولار، في موازنة 2026. بذلك يكون حجم الموازنة قد ارتفع بنحو 14.2%، فيما يظهر العجز المقدر صفراً.

إلا أن التوازن المحاسبي لا يعكس توازناً اقتصادياً فعلياً إلا على الورق، فالعبرة تبقى في قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات المقدرة، ولا سيما في سنة شديدة الحساسية أمنياً واقتصادياً، والخبرات الماضية في هذا المجال ليست مشجعة.

في غياب النمو واستمرار أزمة الثقة بالقطاع المصرفي، يبقى تمويل الموازنة محلياً-داخلياً، ويعتمد بصورة أساسية على الإيرادات الضريبية والرسوم. غير أن الإشكالية الأبرز تكمن في أن قسماً كبيراً من الأعباء الضريبية يُفرض خارج إطار الموازنة نفسها، وتحديداً في الوقت المستقطع بين موازنة وأخرى، فلا تلاحظها الموازنة السابقة، ولا تعوق تمرير الموازنة الجديدة التي تتضمن زيادات ضريبية ورسومية كبيرة.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الموازنة الضريبية في بلد كلبنان قد تتحول، في جانب من تطبيقها، إلى أداة غير متوازنة وغير عادلة. فالقاعدة الضريبية تبقى محدودة، فيما لا يلتزم جزء من الأفراد والمؤسسات القوانين الضريبية أو لا يسدد ما يترتب عليه من مستحقات. والنتيجة هي أن العبء يقع بصورة متزايدة على المكلفين الملتزمين، بدلاً من أن يتوزع بعدالة على قاعدة ضريبية أوسع.

وهكذا لا تكون المشكلة فقط في مستوى الضرائب، بل في عدالة تطبيقها، وقدرة الدولة على مكافحة التهرب وتوسيع قاعدة التكليف قبل اللجوء المتكرر إلى فرض أعباء جديدة. ترتفع الإيرادات الضريبية المتوقعة في مشروع الموازنة من نحو 439.6 تريليون ليرة إلى 528.2 تريليوناً، أي أكثر من 20%. ونشير إلى أن 73.5% من الإيرادات الضريبية مصدرها الرسوم على السلع والخدمات والتجارة، فيما تبلغ إيرادات الضريبة على القيمة المضافة وحدها نحو 205.7 تريليون ليرة. يعني ذلك أن العبء لا يقع فقط على الأرباح والثروات، بل ينتقل بنسبة كبيرة عبر الاستهلاك والأسعار إلى المواطن، في بلد لم تستعد فيه المداخيل والقوة الشرائية بعد ما خسرتها خلال سنوات الأزمة والحرب العبثية المتمادية.

وفي مطلق الأحوال، لا يمكن انتظار موازنة إصلاحية ومستدامة في اقتصاد غير طبيعي. لبنان يحتاج أولاً إلى استقرار سياسي وأمني يسمح باستعادة الثقة والاستثمار، وإلى إعادة تفعيل دولة القانون والعدالة والمحاسبة ومعالجة فعلية لأزمة المصارف والمودعين وإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة دوره في تمويل الاقتصاد، وإلى إعادة الانتظام للتدفقات الخارجية وميزان المدفوعات، بحيث يصبح مجدداً مؤشراً موثوقاً به لحركة الأموال داخل الاقتصاد وخارجه. لذلك، فإن العجز الصفري في الموازنة لا يعني أن اختلالات الاقتصاد أصبحت صفراً. قد تتوازن دفاتر الدولة محاسبياً، فيما تبقى الاختلالات الكبرى في المصارف، والودائع، والاستثمار، والقطاع الخارجي والنمو خارج الموازنة.

من دون معالجة هذه الملفات بالتوازي مع الاستقرار السياسي والأمني، تبقى الموازنة أقرب إلى أداة لإدارة المرحلة وتمويل تشغيل الدولة منها إلى أداة لإطلاق التعافي الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى