النواب السنّة بعد 2022.. أزمة تمثيل أم أزمة نظام؟

المدن

منذ الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2022، يتعاظم شعور شريحة واسعة من الشارع السنّي بأن أغلب التمثيل البرلماني لم يرتقِ إلى مستوى التحديات التي تواجه لبنان والطائفة السنية داخل النظام السياسي. ففي مرحلة كان يُفترض أن تفرز نوابًا يمتلكون مشروعًا سياسيًا واضحًا، وحضورًا تشريعيًا ورقابيًا فاعلًا، جاء الأداء، في نظر كثيرين، دون مستوى الآمال.

 

مرآة العفو العام

برز هذا الشعور بوضوح مع تجدد النقاش حول قانون العفو العام، فقد شكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النواب السنّة على توحيد موقفهم وتحويل مطلب اجتماعي مزمن إلى مسار تشريعي واضح. إلا أن الانقسامات والتباينات في المواقف عكست، بالنسبة إلى كثيرين، غياب رؤية سياسية مشتركة، كما أعادت طرح أسئلة حول الدور التشريعي والرقابي للكتلة السنية داخل المجلس النيابي.

 

حلم رئاسة الحكومة

يعترف النائب بلال الحشيمي بالواقع القائم، “وهو من النواب الذين تعرضوا لانتقادات حادة على خلفية موقفهم من قانون العفو العام”، وفي حديثه إلى “المدن” يُعيد سبب ما يحصل إلى “استرئاس الكثير من الزملاء النواب” الساعين للوصول إلى كرسي السراي الحكومي، إضافة إلى “الأنانية والشخصانية والحسابات الانتخابية” وهذا ما لمسناه في مناقشات القانون، حتى وصل الأمر بالبعض إلى حد وصفنا بـِ “نواب العار”.

ولا يُنكر الحشيمي ضعف الحضور التشريعي ويرى أن له سببان، الأول هو محدودية المعرفة القانونية والثقافة السياسية، أما الثاني حسب رأيه “الغياب المتكرر لبعض الزملاء عن عمل المجلس واللجان الفرعية والمشتركة” ويضيف بأن “أغلب من ينتقدنا على المنابر لا نراه داخل اللجان”، وإذا حضر فيحضر “لإثبات الوجود فقط، بدل تقديم مقترحات قوانين أو مناقشة المطروح منها”.

 

زعامة الصورة

من جهة أخرى، انشغل بعض هؤلاء النواب بصناعة صورة شعبوية، معتقدين أن كثرة الظهور في المناسبات الاجتماعية و”البهورات” الإعلامية يمكن أن تعوّض غياب المشروع السياسي. لكن السياسة لا تُقاس بالصور أو حضور الأعراس والمآتم، بل بالمواقف والإنجازات والقدرة على التأثير في القرار العام.

 

يقول المحامي والخبير الدستوري حسّان الرفاعي في حديث لـِ “المدن” إن قانون الانتخاب الحالي يشكل سببًا أساسيًا في تردي واقع التمثيل السنّي، معتبرًا أن النظام الحالي أفرز 27 نائبًا سنيًا “لكنهم يفتقدون إلى الرؤية السياسية الموحدة، فأصبح كل نائب يغني على ليلاه، وهذا ما أدى إلى تشرذم واضح وضعف في القدرة على تشكيل موقف سياسي جامع”.

ويضيف الرفاعي أن هذا التشتت، إلى جانب تراجع الخبرة التشريعية لدى عدد من النواب، “يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالتجاذبات والضغوط السياسية، في ظل غياب مرجعية سياسية واضحة”.

وينتقد الرفاعي تراجع معايير اختيار النواب، معتبرًا أن “حضور المناسبات الاجتماعية والدبكات بات لدى بعض الناخبين معيارًا يتقدم على الكفاءة والخبرة والقدرة على التشريع والرقابة”، داعيًا إلى إصلاح يبدأ من قانون الانتخابات نفسه.

ويشدد على أن “أي حديث عن انتخابات مقبلة لن يكون مجديًا إذا بقي القانون على حاله”، مقترحًا اعتماد نظام أكثري بسيط ضمن دوائر صغيرة لا يتجاوز عدد النواب في كل منها ثلاثة أو أربعة، بما يسمح بقيام أكثرية حاكمة وأقلية معارضة واضحتين، ويعزز المحاسبة السياسية ويحد من التشرذم.

 

ثقافة الزبائنية

الأزمة في جوهرها لا تكمن في الأشخاص وحدهم، بل في ثقافة انتخابية لا تزال تمنح الأصوات على أساس العصبية أو الخدمات أو العلاقات الشخصية أو التجييش الطائفي، بدلاً من أن تحاسب على الأداء والكفاءة. لذلك فإن التغيير الحقيقي يبدأ من الناخب قبل النائب.

فالانتخابات المقبلة يجب أن تكون محطة للمراجعة والمحاسبة. المطلوب وعي شعبي سنّي يضع معايير جديدة للاختيار: نائب يمتلك رؤية سياسية، ويحضر في المجلس النيابي، ويقدم اقتراحات قوانين، ويمارس الرقابة، ويتحدث باسم الناس.

الجماعة السنّية بوصفها شريكًا مؤسسًا في الكيان اللبناني، لا تحتاج إلى ملء المقاعد فقط، بل إلى تمثيل سياسي يليق بتاريخها ودورها الوطني. فالاستحقاق المقبل ليس معركة أشخاص، بل معركة لاستعادة معنى النيابة ودورها الفعلي، حيث يكون النائب صوتًا لناخبيه وشريكًا في صناعة القرار، لا مجرد رقم في لوائح التصويت، أو حضورًا دائمًا في المناسبات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى