بري في بعبدا… والعسكر عائد الى “روما 2”: ما الذي سيتغير؟

الجمهورية


لا تكفي زيارة الرئيس نبيه بري أمس لبعبدا، للحديث عن مرحلة جديدة في العلاقات بين رؤساء السلطات الدستورية وإمكان تحصينها. فهي وإن جاءت في توقيت دقيق وحسّاس عشية “طاولة روما 2” بوجهيها الأمني والديبلوماسي، فإنّها لن تبدّل في مسار مفاوضات لم تلامس بعد نهاية الحرب. فطرفا النزاع في تل أبيب وطهران، ما زالا في مواجهة مفتوحة مع السلطة، ولم يتنازلا بعد عن سقوف تُبعد “اليوم التالي” للحرب في لبنان. وهذه بعض الدلائل والمؤشرات.


سخرت مراجع سياسية وديبلوماسية من الرهانات الكبرى التي بُنيت على إعادة وصل ما انقطع بين أركان السلطات الدستورية، لمجرد أن زار رئيس السلطة التشريعية نبيه بري رئيس البلاد ورأس السلطة الإجرائية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا، بعد قطيعة امتدت منذ الزيارة الأخيرة إلى بعبدا في 23 آذار الماضي، حيث عُقدت الجلسة التي لم تكن “مريحة” بالنسبة إليهما، كما وصفتها شخصية تدّعي علاقتها المميزة مع الرجلين في آن. ذلك أنّها شهدت تبادلاً لآراء ومشاعر متناقضة بطريقة حادّة لا يمكن إخفاؤها عن أحد. فإلى شعورهما المشترك في تلك اللحظة بـ “الحزن” و”اليأس” من فشلهما بالحؤول دون “الخطوة الانتحارية” التي أقدم عليها “حزب الله” قبل 3 اسابيع، مقدّماً “الحجة الذهبية” للعدو الإسرائيلي للمضي في حربه المدمّرة، ضامناً التفهم الإقليمي والدولي لعدوانه ودعم حلفائه اللامتناهي. فلا ينسى أحد أنّ اللقاء تزامن مع التهديدات المتبادلة بين طرفي الحرب، والمخاطر الناجمة عن بوادر الاجتياح الإسرائيلي الذي ترافق وحديث عن استنساخ “تجربة غزة” في القرى الجنوبية.


وأضافت تلك الشخصية في حينه، على أنّه وعلى رغم من التوافق على ما يُسمّى “النقاط الخمس” والشعور المشترك بحجم المخاطر المتوقعة لما حصل، لم يلتق الرجلان على موقف موحّد مما يمكن أن تقود اليه القرارات التي أصدرتها الحكومة، بدءاً بقرار 2 آذار الذي شكّل امتداداً لقرارات 5 و7 آب و7 ايلول، حيث نزع أي صفة شرعية عن الجناحين العسكري والأمني لـ “حزب الله”.

وفي مقابل الاسئلة التي طرحها بري حول سبل تنفيذ هذه القرارات في ظل مواقف الحزب المتصلبة اياً كانت تكلفتها، كان الرئيس عون واضحاً وصريحاً، عندما أكّد انّه لم يكن مخطئاً عند تحذيره الحزب عبر قنوات الحوار التي كانت قائمة قبل إطلاق الصواريخ الستة في اتجاه اسرائيل، عدا عن التحذيرات التي صدرت من كل حدب وصوب ومن دول صديقة وشقيقة، بعدم تكرار الأخطاء السابقة التي ارتُكبت، والتي شكّلت تفهماً لمخاوف أكثرية اللبنانيين وعدم تقديم “الهدايا” للعدو ومضيه بتبرير ما قام به تحت شعار “الثأر” للمرشد الإيراني علي الخامنئي. وهو ما ادّى إلى زجّ البلاد في آتون الحرب الكبرى في المنطقة، وهو لم يكن قد لملم ما خلّفه مسلسل حروب “الإسناد والإلهاء” منذ الثامن من تشرين الاول 2023، وما انتهت اليه من نكبات ومآس في حق اللبنانيين عموماً كما بالنسبة إلى ما يسمّى بيئته الحاضنة، أياً كانت أهدافها التي ظهر زيفها، وتبخّرت واحدة بعد أخرى.


وبمعزل عن الظروف التي حكمت العلاقات بين الرجلين طوال الفترة السابقة، فإنّ الرهان على تحسينها وفتح صفحة جديدة لم يكتمل بعد. ذلك انّه وبالإضافة إلى فهمهما للاستراتيجية الإسرائيلية المتشدّدة على أبواب انتخابات مصيرية، هناك معوقات من المقلب الآخر تحول دون هذه الخطوة الكبرى. فالضغوط الإيرانية ما زالت قائمة وسط مخاوف جدّية ومذهلة من فقدان ما تبقّى من أذرعها. ولذلك لن توفر وسيلة للاحتفاظ بما تبقّى من قوة “حزب الله” في لبنان والحوثيين في اليمن وبعض الفصائل في العراق، بعدما اضطرت إلى استخدام أوراق “الحشد الشعبي” الذي يستظل في تركيبته العسكرية والمالية رعاية وزارة الدفاع العراقية في حربها، بعد تخلّي بعض المجموعات الأخرى عن أسلحتها للقوى العراقية الشرعية. وكل ذلك سيبقى قائماً في انتظار قرارات الحكومة الجديدة، وما يمكن أن تُقدم عليه بحق من يزجّ البلاد في حرب مع جاراتها العربية والإسلامية، كما أوحت بها إجراءاتها السياسية والأمنية الطارئة.


وعليه، فإنّ بعضاً من مصادر القلق ما زالت قائمة، إذ لا يبدو انّ بقدرة الرئيس بري تغيير هذا الواقع، أياً كانت الوسائل التي يمتلكها وتلك التي يدّعي البعض وجودها، عدا عن تلك المغلّفة بالمزايدات التي تحرجه على أكثر من مستوى. فبعد اطمئنانه ويقينه من عدم وجود أي مخاوف حالية من الحدود اللبنانية – السورية، والتي يوحي بها البعض لألف سبب وسبب، فإنّ مخاوفه على مستقبل لبنان وكلفة إعادة الإعمار تقض مضجعه. ومعها مثيلاتها من الفتنة الشيعية ـ الشيعية، إن تطورت بعض الإشكالات الحاصلة، في موازاة الفتنة الشيعية ـ السنّية والمسيحية المحتملة في أي لحظة، كما بالنسبة إلى أي مواجهة قد يفتعلها “طابور خامس” بين الجيش والحزب، في ظل وجود بعض الرؤوس الحامية التي ما زالت تطلّ بنظرياتها وتهديداتها “الخنفشارية”، تحريضاً على الفتنة المذهبية بكل أشكالها.


وما ينسحب على موقف الرئيس بري من بعض جوانبه الإقليمية والدولية، ينسحب أيضاً على مواقف أهل السلطة، يتقدّمهم رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة وقائد الجيش، فهم يتلمسون يومياً التناغم الحاصل بين العدو الإسرائيلي والمسؤولين الإيرانيين. ذلك أنّ معظم المواقف الثابتة لدى الطرفين تتلاقى على عدائها ورفضها لقيام الدولة بمسؤولياتها. وهما لا يتمنيان تنفيذ أي خطوة من خطوات “صيغة الإطار” بوضوح لا يرقى اليه أي شك. وما يزيد في الطين بلة، أنّ عودة العسكريين إلى المشاركة في “طاولة روما 2” تحاكي كل هذه المخاوف وما يفيض عنها بكثير، ومعها نتائج زيارة بري لبعبدا، على رغم من حديثه عن ارتياحه لزيارة الرئيس عون. وعليه طُرح السؤال عمّا يمكن إنجازه من هاتين الخطوتين على ما هو منتظر من خطوات في الأيام المقبلة في ظل فقدان أي سيناريو إيجابي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى