زوطر الغربية تختبر «المناطق التجريبية»: انتشار الجيش تحت النيران الإسرائيلية

كتبت صحيفة “الأخبار”: بدأ اتفاق الإطار الخاص بجنوب لبنان، المُوقّع في واشنطن في 26 حزيران الماضي، أول اختبار ميداني فعلي له مع انطلاق تنفيذ المرحلة الأولى من «المناطق التجريبية» التي تشمل بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا. وبينما يهدف الاتفاق إلى نقل المسؤولية الأمنية تدريجياً إلى الجيش اللبناني ضمن آلية تنسيق تقودها الولايات المتحدة عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، أظهر اليوم الأول من التنفيذ أن الطريق لا يزال محفوفاً بالتحدّيات، بعدما تعرّضت وحدات الجيش لإطلاق نار إسرائيلي أثناء انتشارها في زوطر الغربية.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني أن وحداتها بدأت صباح أمس الانتشار في زوطر الغربية «بناءً على الاتصالات القائمة مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان»، داعية المواطنين إلى عدم التوجه إلى البلدة حتى استقرار الوضع الأمني والالتزام بتوجيهات العسكريين المنتشرين فيها.

ويمثّل دخول الجيش إلى زوطر الغربية أول انتشار ميداني ضمن المرحلة التجريبية في بلدة بقيت مُغلقة أمام سكانها طوال الأشهر الماضية، في ظل استمرار الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية فيها، فيما يختلف وضعها عن فرون وصريفا اللتين كان الجيش اللبناني ينتشر فيهما أساساً عبر الحواجز والدوريات، رغم تعرّضهما لسيطرة نارية إسرائيلية متكرّرة.

وبحسب مصادر عسكرية، بدأ الجيش فور دخوله زوطر الغربية تنفيذ أعمال المسح الهندسي لإزالة القذائف غير المنفجرة ومُخلّفات الحرب، وهي خطوة تسبق أي قرار يسمح بعودة السكان. كما طلبت قيادة الجيش من الأهالي الامتناع عن دخول البلدة إلى حين انتهاء الأعمال الميدانية واستقرار الوضع الأمني.

وتؤكد مصادر محلية أن البلدة لم تصبح بعد صالحة لعودة سكانها، مشيرة إلى أن فرق الهندسة العسكرية تتولّى الكشف على الطرقات والمنازل وإزالة الأخطار، فيما تعرّض جزء كبير من البلدة لدمار واسع وأصيبت غالبية المنازل المتبقّية بأضرار متفاوتة، الأمر الذي يجعل العودة مرتبطة بإنجاز عمليات المسح الهندسي وتقييم الأضرار معاً.

أمّا في فرون وصريفا، فلم يكن انتشار الجيش حدثاً جديداً من الناحية العسكرية، إذ كانت وحداته موجودة فيهما قبل إطلاق المرحلة التجريبية، لكنه اكتسب هذه المرة بعداً سياسياً مختلفاً باعتباره جزءاً من آلية تنفيذ الاتفاق. وقد كثّف الجيش خلال الأيام الماضية دورياته في البلدتين في إطار التحضيرات الميدانية للمرحلة الأولى.

وفي المقابل، رفضت بلديات البلدات الثلاث وصفها بـ«المناطق التجريبية»، معتبرة أن الجيش اللبناني موجود فيها أصلاً وأنها ليست بلدات مُحتلة بالكامل، لكنها شدّدت في الوقت نفسه على ترحيبها بانتشار الجيش وعدم وجود أي نية للاعتراض على دخوله أو مواجهته، في موقف يعكس الفصل بين التحفّظ على بعض جوانب الإطار السياسي للاتفاق، ودعم دور المؤسسة العسكرية في تثبيت الأمن.

غير أن الاختبار الأول لم يسر أمس وفق ما كان مُخطّطاً له. فقد أعلنت قيادة الجيش، في بيان لاحق، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت النار على مقربة من الوحدات العسكرية أثناء تنفيذها عملية الانتشار في زوطر الغربية، معتبرة أن الاعتداء «من شأنه أن يعرقل تطبيق خطوات الانتشار في المناطق التجريبية التي تتم في إطار الاتصالات مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان». وقالت هيئة البث الإسرائيلية إن جيش الاحتلال «أكّد إطلاق نيران على جنود لبنانيين عبروا المنطقة المُتّفق عليها باستخدام جرافة».

وفيما لم يشر بيان الجيش اللبناني إلى وقوع إصابات أو إلى تعليق عملية الانتشار، إلا أن الحادثة أبرزت حجم التعقيدات التي تحيط بعملية الانتقال الميداني. ويعود جزء من هذه التعقيدات إلى أن زوطر الغربية، رغم دخول الجيش إليها، لا تزال مُلاصِقة لمنطقة تتمركز فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي في زوطر الشرقية، فيما بقيت عودة السكان مؤجّلة بانتظار انتهاء أعمال الجيش وضمان استقرار الوضع الأمني.

وتقوم المرحلة الأولى من الاتفاق على نموذج تدريجي يقضي بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من مناطق محدّدة، مقابل انتشار الجيش اللبناني وتولّيه المسؤولية الأمنية فيها، على أن يجري التحقّق من التنفيذ عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، التي تضم ممثلين عن لبنان والولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي. ويُنظر إلى نجاح هذه المرحلة باعتباره شرطاً أساسياً قبل توسيع التجربة إلى بلدات أخرى في جنوب لبنان.

ومع أن انتشار الجيش يمثّل أول تطبيق عملي لهذا المسار، فإن أحداث الساعات الأولى أظهرت أن نجاحه لن يرتبط فقط بقدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية على تثبيت انتشارها، بل أيضاً بمدى التزام الأطراف المعنية بتوفير الظروف الأمنية التي تسمح بتنفيذ الاتفاق من دون احتكاكات ميدانية، خصوصاً أن تل أبيب ترى أن انسحاب قواتها من زوطر الغربية بدأ بهدف إتاحة المجال أمام انتشار الجيش اللبناني وبدء تنفيذ مهامه في المنطقة وعلى رأسها العمل على نزع سلاح حزب الله، والتحرّك ضد عناصره، وتدمير ما تبقّى من البنى التحتية التابعة له في زوطر الغربية، إلى جانب بلدتي فرون وصريفا.

وبينما يواصل الجيش أعماله في البلدات الثلاث، تبقى زوطر الغربية عنوان الاختبار الحقيقي للمرحلة الأولى، ليس فقط لأنها البلدة التي دخلها الجيش للمرة الأولى ضمن هذا النموذج، بل لأنها تختصر في الوقت نفسه التداخل بين الترتيبات العسكرية، والاعتبارات السياسية، والهواجس الأمنية التي ستحدّد مستقبل «المناطق التجريبية» برمّته.

الجيش اللبناني يرد على ادعاءات الاحتلال

أكدت قيادة الجيش اللبناني أنّ الوحدات العسكرية نفّذت انتشارها داخل بلدة زوطر الغربية بعد إجراء الاتصال والتنسيق اللازمَين مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، ولم تدخل بلدة زوطر الشرقية. وأوضحت، رداً على ادّعاء جيش الاحتلال بأن المنطقة التي دخلت إليها قوة الجيش اللبناني ليست جزءاً من المشروع التجريبيي، أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي اقتربت من أطراف بلدة زوطر الغربية أثناء وجود عناصر الجيش اللبناني داخل البلدة خلال تنفيذ مهمة الانتشار، وأطلقت النار على مقربة منهم، الأمر الذي عرّض العسكريين للخطر وأعاق تنفيذ المهمة الموكلة إليهم.

وشدد على أنه على جيش الاحتلال الإسرائيلي معالجة أي إشكال عبر مجموعة التنسيق العسكري ومن خلال قنوات التنسيق والاتصال المعتمَدة، عوضاً عن القيام بالاعتداءات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى